تذكروا كيف كان تشكيل لجنة الظواهر السلبية في دور الانعقاد السابق، والتحدي الذي دار حول أساس تشكيل اللجنة بين الفريقين، لا بل زادوا على ذلك ليدخل بعضهم اللجنة وأخذ منها منصباً رفيعاً، وترأسها النائب فيصل الدويسان. واليوم، اعتدلت الكفّة لصالح المتشددين الإسلاميين، إذ دخلوها بسلام كما دخلوها أوّل مرة. وما أود الإشارة إليه هنا، هو قرار الحكومة بعدم المشاركة بالتصويت على أصل إنشاء اللجان الفرعية، وما لحق ذلك من تزكية الأعضاء اللجنة دون مبارزة النوّاب «العقلاء» أو «الوطنيين» استنصاراً لأهداف اللجنة المشبوهة كما كانوا يسوّقون لها أمام الشعب. فالاثنان معاً مؤشران نستفيد منهما لاحقاً.
المباراة التي حدثت بين كل من النائب دليهي الهاجري والنائب سيد عدنان عبدالصمد تعتبر قوية ومثيرة ولها دلالات مهمة، خصوصاً مقارنة ما حصل عليها الهاجري 38 صوتاً في مقابل 26 صوتاً للسيد. والسؤال لصالح من صوتت الحكومة؟ وهل كان التصويت العام بتوجيه حكومي أم اختياري؟ وما دور عقلاء المجلس في هذه المباراة؟ فمن الطبيعي أن نسأل بناء على المعطيات الحسابية التي نستنتجها من مجموع أصوات الاثنين البالغ 64 صوتاً والفارق بينهما وهو 12 صوتاً، فيا ترى لمن تلك الأصوات، هل هي أصوات حكومية جيّرت لصالح الهاجري، أم أنها أصوات الوطنيين والعقلاء التي لم ينلها سيد عدنان؟ عند طرح عدد نواب الشيعة من الـ 64 صوتاً يتبقى 55 صوتاً، ومجدداً نطرح عدد الوزراء بفرض الدعم الحكومي لصالح السيد، يتبقى لنا 39 صوتاً، وأخيراً الأخذ بعدد «المدافعين عن الوحدة الوطنية» وتحديداً الفرز السياسي بعد استجواب وزير الداخلية الأخير، والأصوات المعارضة للوزير والبالغة 16 صوتاً وطرح ذلك من المتبقي السابق، نتكلم عن 23 صوتاً، وهم على الفرض لنواب وقفوا مع الوزير الخالد مع نسبة الخطأ الإحصائي الطفيف الناتج من تبدل بعض المواقع. وهنا ما يمكن أن نخلص إليه بأن «عقلاء المجلس» لم يقتنعوا بأمانة سر السيد عدنان لو صحت فرضية الدعم الحكومي.
هناك من عارض السياسة الأمنية لوزير الداخلية في فترة، ومن عارض سياسته الإدارية أيضاً، ليصبح في موقف سياسي جديد «الاستجواب» من المؤيدين له من منطلق مبدأ التزاحم. فقد كان «الأهم» لديهم يكمن بالوقوف أمام تمدد النواب القبليين والحد من خرقهم القانون، في مقابل «المهم» وهو إن كان الوزير صالحاً للوزارة أم لا. وقبيل بدء دور الانعقاد الثاني، ظهرت مؤشرات تفيد تغيير آراء البعض داخل جبهة المؤيدين. وكان أبرزهم النائب الدويسان الذي أشهر سلاحه ضد الخالد، تلاه سيد الزلزلة بديبلوماسيته، ومن بعده النائبة أسيل لتتحول من ممتنعة خجولة إلى معارضة صريحة.
كمراقب سياسي، لا أملك سوى أن أربط تلك المؤشرات الثالثة بعضها ببعض لأستنتج بأن الحكومة كشرت عن أنيابها السياسية، وعادت «حليمة» لعادتها القديمة من فقدان للمصداقية، وأعطت لجنة الظواهر السلبية لأهلها بظاهرة سلبية أخرى وهي ضرب الاستراتيجيات بعيدة المدى عرض الحائط. وأيضاً، لم يعد لعقلاء المجلس أي التزام أو مصداقية في تعاطيهم السياسي للسبب ذاته، هذا على فرضية تصويت الحكومة مع سيد عدنان كما أتمنى، أما لو كانت لم تصوت له وهو الأقرب للواقع، فإن المؤدى يعتبر أنكى وأمر. وأخيراً، يبدو أن التفكك مقبل لجبهة المدافعين عن الحكومة والتشرذم بينهم مفتوح على مصراعيه. فإما أن يغادر الوزير الخالد، وهذا محرج للغاية لأنه يثبت نجاح الذين أقسموا على إزاحته، أو أنه يستمر وعندها يرغم البعض على الدخول مع النوّاب القبليين، على الأقل في هذا المطلب.
الخلاصة، فإن المشهد السياسي ملبد بغيوم سوداء، والسلوك الحكومي لا يبعث على الاطمئنان، وربما تنقشع تلك السحب لتسفر عن مجلس شورى كما يريده «البعض»، أو مجلس «كتاكيت» كما يريده مجموعة G26.
