حينما ينشق المجتمع إلى فسطاطين، ماذا تفعل يا ترى؟! وحينما يدعي كل فسطاط بأن الحق معه، كيف لك أن تتصرف؟!! إنها الفتنة بعينها يا سادة، وما لك إلاّ أن تكون كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): «كن بالفتن كابن اللبون، لا ظهرٌ فيركب ولا ضرعٌ فيحلب». فإذا دعت الحاجة للدخول بين هذين القسمين في سبيل نصرة الحق والإصلاح الشامل، فلا أقل من أن يكون دخولك وأنت واقف على رجليك، حيث تجد في نفسك الندية بمقابل كل قسم، بل وتفرض ثقلك السياسي على الآخرين.
خذ ما يجري على الساحة الحالية أصدق مثال على ما أقول، وعليك التمعّن بحقيقة غليان الساحة وتحديداً مشعلي الفتنة بطرفيها المؤيد فيهم والمعارض، إذ كل طرف يدعي بأن الحق معه ويقدم أدلته على صدق دعواه. وبالتالي، فإن «ابن اللبون» هو من لا يقبل على نفسه أن يكون ظهراً لهذا الطرف ليمر من فوقه في سبيل تحقيق مآربه، أو أن يكون ضرعاً للفريق الآخر ليحلبه وقتما شاء، وللأسف، بالمجّان ودون أيّ مقابل.
ومن خلال دوري كمراقب لما يجري، أستطيع بأن ألقب النائب الفتي فيصل الدويسان بـ «ابن اللبون» لما يملك من حذاقة سياسية عجز عنها «عواجيز» السياسة. إذ لم يلتفت للجموع الغفيرة بأي فسطاط، ليشمّر عن ذراعيه ويعبد لنفسه طريقه المستقيم رغم وعورة البيئة السياسية، حيث لم يرض لنفسه بأن يكون «ظهراً» للتأزيميين في استجوابهم لوزير الداخلية، كذلك لم يقبل على نفسه لاحقاً بأن يكون «ضرعاً» لتحلبه الحكومة بالمجّان على طول الخط.
ولعّل القارئ يتساءل، لماذا غيّر الدويسان رأيه؟ جوابي لكل من يسأل: عليكم بالتوجه للدويسان دون سواه لمعرفة الحقيقة، واتركوا عنكم مضارب «كهنة» السياسة الذين باتوا يحرفون الكلمات عن مواضعها، اللذين مازالوا يبررون مواقفهم بحجة أو من دون حجة. فلو علمتم يا أخوة حقيقة الأمور، لكرهتم «عقلاء» المجلس قبل غيرهم.
نعم أيها السادة، أقيمت الصلاة واستوت الصفوف، لكن لا إمام. هذا هو التشخيص الدقيق لحقيقة المشهد الحالي. فقد استوت صفوف كلا القسمين، وأعلن كل طرف عن أجندته بشكل أو بآخر، وقد نودي للصلاة لأكثر من مرّة على شكل التهابات سياسية متتالية وأزمات تصاعدية خطيرة. فما برحنا نفسّر غموض تصرف حكومي سابق، لتخرج علينا الحكومة بتصرف غريب جديد. تماماّ كما لم تجف صحائف الاستجوابات المجحفة السابقة، ليخرج علينا المراهقون أنفسهم بصحائف جديدة خاوية المضمون. نعم، استوت الصفوف وأقيمت الصلاة ولم يبق لنا إلاّ أن يتقدم الإمام ليؤم هؤلاء المصلين باتجاه القبلة الحقيقة وهي «مصلحة الكويت».
حينما نتكلم عن الإمام، فنحن لا نقصد إمام السلطة التنفيذية أو التشريعية، ولا نعني امام هذا التيار أو تلك الحركة، لا بل لا نقصد إمام تجمع «الثوابت» هنا أو «الثوابت» هناك، فكل طرف من هؤلاء يدعي بأن الحق معه كما أسلفت. نحن نقصد بالإمام هو ذلك الرجل الذي في عنقه أمان المستقبل لهذا البلد، وهو رمزها غير المتنازع عليه، الرجل الذي بيده دفة القيادة لأنه أبوالسلطات. هذا الإمام الذي يؤمن بأن الديموقراطية كالهواء الذي يتنفسه الكويتيون والمنهج الذي ارتضاه الحاكم والمحكوم في إدارة الدولة. هو ذاته الإمام الذي سعى سعياً حثيثاً كي يعطي المرأة حقوقها السياسية لتكمل الديموقراطية نصف دينها، بل وأعطى لأكثر من مرة مصاديق أحكامه العادلة بعدم تعطيل الديموقراطية، إذ أصبحنا في ظل هذا الإمام بمأمن من أن ينال أعداء الديموقراطية مبتغاهم تحت أي ذريعة.
الخلاصة فقد أقيمت الصلاة، واستوت الصفوف ولدينا الإمام، لكن لا ندري متى تأتي ساعة «الله أكبر».
