قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
1109096
سيد عدنان عبدالصمد وشكسبير

كلّما أتعامل مع هذا الرجل أكتشف فيه خصالاً جديدة يوماً بعد يوم. هو الجسور بالحق والذي لا يخاف في الله لومة لائم وبالوقت نفسه هو الحنون والودود وإن حاول إخفاء هذه الملامح عمداً خلف نظراته الثاقبة. لا أريد أن أسهب في وصف هذا العملاق السياسي كي لا يتحول هذا المقال إلى فئة مقالات مسح الجوخ كما نرى هذه الأيام، فلا السيد يحتاج ذلك ولا أنا من هذا النوع.

يقول شكسبير: ((المهزوم إذا ابتسم، أفقد المنتصر لذة الفوز)) تذكرت هذه المقولة وأنا اقرأ سؤال أحد الصحفيين الموجه للسيد واصفاً بأن ما أقدم عليه مؤخراً يعتبر انتحاراً سياسياً. قد يغفل هذا الصحفي ولا نلومه بعقيدة سيد عدنان عبدالصمد بالله وإنه مؤمن بهذا الدين من أول شعره برأسه إلى أخمص قدميه، جامعاً مرضاته لله سبحانه وإخلاصه لوطنه في معادلة عجز عن تفسيرها البعض واحتار في فهما آخرون. يبتسم وهو غير منتصر، إذ يؤمن بأن النصر لا يكون بالضرورة بما يفرح له الناس فقط، وإن الهزيمة لا تعتبر كل واقعة تنزل الدمعة وتهيج الوجدان. وليس مقابل كل منتصر مهزوم أو مقابل كل هزيمة منتصر.

بحكم قربي من هذا الرجل، عشت معه لحظات متباينة في أحداثها تماماً، إلاّ أن ردة فعله كانت واحدة. في فترة تم إعلان النتائج فرز الأصوات، ولم يكن السيد من ضمن المتأهلين لدخول مجلس الأمة، إذ أجده مبتسم الوجه وشفاف القلب وهو مقتنع بالنتيجة ولا يعترض عليها قيد أنملة، وفي موقف مغاير، أعلنت نتيجة فوزه بانتخابات 2006م كنت بالقرب منه لحظة إعلان النتائج، وإذ سيد عدنان 2003 هو نفسه سيد عدنان 2006 وبنفس البسمة وبنفس المشاعر. أذهلني هذا الرجل جداً، هو مستقيم المشاعر، مستقر الانفعال. تتجلى فيه المقولة بأن القناعة كنز لا يفنى ولم يفنى معه.

عود على عنوان المقال والرابط بين سيد عدنان عبدالصمد وفلتة زمانه شكسبير. أن يبتسم المهزوم عرفنا بأنه يفقد المنتصر نشوة ولذة الانتصار، وهذا جيد. ولكن ما الحال لو طلبنا من شكسبير بأن يوصف لنا من يبتسم بشكل متساوي في حالتين مختلفتين تماماً؟ كيف سوف يستقبل الخصم هذه المشاعر؟ وكيف سوف تتعامل القاعدة والجمهور مع ردة الفعل هذه؟ وأخيراً، من أين لهذا الشخص القوة على هذا الاستقرار العاطفي والعصبي؟ يجب علينا أن نعرف حتى نتعلم.

تخيلوا معي، أنت تحارب من قبل آلات إعلامية وما لها من أثر في تظليل البسطاء من الشعب في شن أبشع صور التهجم والطعن والتشهير. أن يتوعدك رؤساء الأجهزة السياسية تارة والأمنية تارة أخرى بشتى أنواع الحرب النفسية وبلباس قانوني ودستوري زائف. أن تطالك أيادي كانت بالأمس تصافحك واليوم تعتزم صلبك على المشانق، وفي خضم ذلك كله، تعيش حالة من خذلان الناصر والأخوة الذين كنت معهم على طاولة واحدة، إلا النفر القليل ممن سخرهم الله سبحانه وتعالى لكي يصدحوا بقول الحق في وجه سلطان جائر أو لنقل سلاطين الجور والمال المسروق. اسمحوا لي بعد كل ذلك تبتسم وتنام قرير العين؟ وتقول بأن القضية تلاشت إلى لا شيء؟ تالله إن فيك من تسليم بقضاء الله وقدره ما أذهل العقول، وأنا أول تلك العقول المذهولة.

في الأثر يقال بأن ستة أشياء إذا ذكرتها هانت عليك مصيبتك، أولها أن تتذكر بأن كل شيء بقضاء وقدر من لدن سبحانه، والثاني أن الجزع لا يرد القضاء فلزم سؤال الله سبحانه باللطف فيما وقع فهو خير الشاهدين والحاكمين، وثالثهما ما أنت فيه هو أخف مما هو أكبر منه، والرابع ما بقي أمامك هو أكثر مما أخذ منك، والخامس التسليم بأن لكل قدر من الله سبحانه حكمة لو أطلعت عليها لرأيت بأن المصائب هي عين النعمة، والأخيرة إن كل مصيبة للمؤمن لا تخلو من ثواب أو مغفرة أو تمحيص أو رفعة شأن أو دفع بلاء وما عند الله سبحانه خير وأبقى.

الكل يتحدث وفجأة يسكت سيد عدنان ويسرح بعينيه، أراقب نظراته وأحاول كشف ما تقول، في أكثر من مرة كنت اقرأ في نظراته عمقه، وأحاول التكهن بمكنون ما يملك. وأقول تصريحاً غير قابل للتأويل، إن ما لديه لا يمكن اختزاله حتى بقول شهير لشكسبير لأن مصدر قوته ليست القوانين الوضعية أو الكتب الدنيوية القديمة، بل هو الكتاب السماوي الأخير والدين السماوي الخاتم للأديان السابقة ومضافاّ على ذلك نهج أجداده في الذود عن الحق والدفاع عنه ولو كلف ذلك انتحاراً سياسياً أو هجمة إعلامية مسعورة وقى الله العباد شرها.